الإمتحان الأكبر

 الإمتحان الأكبر 
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
قال محدثي : كأني بك تقصد شيئاً من وراء عنوانك يا أستاذ .
قلت : نعم .
قال محدثي : وماذا قصدت ؟!
قلت : قصدت الإمتحان الرهيب .
قال محدثي : إمتحان (جامعي) أم (ثانوي)؟
قلت : لا... إمتحان أخروي .
قال محدثي : فما دفعك لهذا العنوان يا أستاذ ؟!
قلت : خطر لي هذا العنوان في أحد الأيام حين كنت مراقباً في لجنة الإمتحان.. فرأيت العرق يتصبب والدعاء ينهال أرتالاً والإنابة والإستغاثة، والإستعانة.. وأثار ما رأيتُ حفيظتي ، فبحثت عن قلمي لأسجّل ما عَنَّ لي عن ذلك اليوم العظيم.. عن ذلك الإمتحان الرهيب، عن الهول المهول، عن يوم القيامة .
قال محدثي : صدقت . و الله إنّه الإمتحان الرهيب بل هو و الله كما عنونت الإمتحان الأكبر ، و إنّ النجاح فيه هو النجاح الحقيقي بل هو الفوز والفلاح . وأمّا الرسوب فيه - أجارنا الله وإيّاك - فهو الخسران الحقيقي بل هو التباب والضلال .
قلت : صدقت يا محدثي.. والله إنه لكما قلت.. بل هناك أمر .
قال محدثي : وما هو ؟
قلت : إمتحان الدنيا فيه رسوب ونجاح، وامتحان الآخرة كذلك ، ولكن الراسب في امتحانات الدنيا له دور ثان يستطيع أن يستدرك فيه ما فاته ، ويتدارك ما قصر فيه ، أما امتحان الآخرة الأكبر فليس فيه تخلص من الرسوب أبد الآباد ، بل هو خلود في النار فلا موت لأهل النار - عياذاً بالله - و خلود في الجنّة فلا موت لأهل الجنة - جعلنا الله و إياكم منهم - فهم أهل النجاح الحقيقي .
قال محدثي : حدثني بالمزيد يا أستاذ... فكلي آذان صاغية .
قلت : إذن أنصت .
قال : تفضل يا أستاذ..
قلت : نحن نستعد ونتأهب والبيوت كأنها تتحرك ، والروتين ينكسر والسهر يكثر ، كل هذا من أجل الإمتحانات التي نمر بها . فنحن نستعد ونتعب والطلاب يَدرسون والآباء يُدرّسون ويحرصون ، والله ولي التوفيق .
قال محدثي : يا أستاذ كل هذا لإمتحان دنيوي..
قلت : نعم كل هذا .
قال محدثي : أفلا يكون استعدادنا للإمتحان الأكبر يا أستاذ أولى وألزم وأوجب ؟
قلت : بلى والله .
قال محدثي : فما رأيك يا أستاذ في قول الأول ..
نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ *** وأيامنا تُطوى وهُنَّ مراحل
ولم أر مثل الموت حقّاً كأنّهُ *** إذا ما تخطته الأمانيُّ باطلُ
وما أقبح التفريط في زمن الصبا *** فكيف به والشيبُ بالرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد التقى *** فعُمرك أيّام و هُنّ قلائل
قلت : إنّ أعظم مما قلت يا محدثي قول الله عزّ وجل :  وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد  [ق:١٩] ، وقوله :  ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت  [الأنعام:93] ، وقوله : فلولا إذا بلغت الحلقوم  [الواقعة:83] ، وقوله :  كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفّت الساق بالساق  [القيامة:26-29] .
قال محدثي : صدقت يا أستاذ... قول الله تعالى أعلى وأجل ، فهل من كلام لذلك الذي أشعل سراجه في دياجير الظلام ، مذاكراً ومراجعاً لدروسه.... هل من حديث معه ؟
قلت : صدقت يا محدثي ..
أخي المسلم.. أختي المسلمة..
يا من أتعبت جسمك سهراً في ظلمة الليل مراجعاً و مُذاكراً وحافظاً.. هلاّ قدمت ليوم معادك كما أنت تقدم ليوم معاشك... نعم .. نحنُ نجدُّ ونجتهدُ ، ونفرح بالنجاح ونحزن عند الرسوب والإخفاق.. ولكن السعادة كل السعادة في النجاح الأبدي.. نعم والله نجاح ما بعده نجاح .
أخي المسلم.. أختي المسلمة..
الإمتحان الأكبر إمتحان لا يليه امتحان ، إنّه امتحان عظيم فيه تنطق الجوارح ، وتتكلم الأعضاء ، وتنصب الموازين ، فإن نجح العبد فيا بشراه لسعادته الأبدية.. وإن رسب فيا ويله من ربه جل وعز .
أخي المسلم.. أختي المسلمة..
إذا عُلم هذا فعلينا بالإستعداد لذلك اليوم العظيم.. أكثر مما نستعد في حياتنا الدنيا لهذه الدنيا وامتحاناتها .
أخي المسلم.. أختي المسلمة..
أصغ لي سمعك.. نعم أنت.. وأعطني قلبك.. واسمع ماذا يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم ، يقول : { لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً } [صحيح الجامع:٥٢٦٣] ، يقول الحسن البصري: فضح الموت الدنيا فلم يترك فيها لذي لب فرحاً .
أخي المسلم.. أختي المسلمة..
إنّ من أعجب العجائب سرورنا بفرحنا.. وسهونا في لهونا.. نغترُّ بالصحة ، وننسى دنو السقم ، نفرح بالعافية وننسى الألم ، والعاقل السعيد من وُعِظ بغيره.. قال صاحب صفة الصفوة فيما يرويه عن الربيع بزة قال : ( عجبتُ للخلائق كيف ذهلوا عن أمر حق تراه أعينهم وتشهد عليه معاقد قلوبهم إيماناً وتصديقاً بما جاء به المرسلون ، ثم ها هم في غفلة عنه سكارى يلعبون ) .
أيها السائر إلى ربّك - وكلنا كذلك - قال أحد السلف لصاحبه كم عمرك؟ قال: ستون عاماً. قال له صاحبه : إنّ صاحب الستين قد أوشك ، أنت من ستين عاماً وأنت تسيرُ إلى ربّك .
نعى لك ظلّ الشباب المشيبُ *** ونادتك باسم سواك الخطوبُ
فكن مستعداً لريب المَنون *** فإنّ الذي هو آتٍ قريبُ
كلنا قادمون عليه سبحانه وتعالى بما لنا وما علينا ، وما خاف مؤمن اليوم إلاّ أمِنَ غداً ، وإنّ المُعدَّ لذلك اليوم محسن ، و الله لا يضيع أجر المحسنين .
أمّا من فرّط فسيصرخ بالرجعة للدنيا  رب ارجعون  [المؤمنون:٩٩] ، أتدرون لماذا يطلب الرّجعة ، يقول جلّ وعز عنه :  لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون  [المؤمنون:١٠٠] .
قال محدثي : صدقتَ وبَررت يا أستاذ.. ولكن أين أهل العمل للآخرة ؟!
قلت : كثيرون بحمد الله ، وإنّما هذه ذكرى لي ولإخواني أهل الإيمان .
أقول : إنّما هي ذكرى لكي نستفيد من واقعنا الذي نعيشه ، وإذا مرّت علينا أيام الإمتحانات الدراسية ، فنذكر ذلك الإمتحان الأكبر .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
شارك:

أشترك بالمدونة

تلاوات خاشعة لمختلف القراء

القرآن الكريم

أرشيف المدونة الإلكترونية